عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

305

اللباب في علوم الكتاب

الصّفات والأحوال ، مع اتّحاد الطّبائع ، وتأثير الكواكب ، يدلّ على أنّها إنّما حصلت بتخليق الفاعل ، المختار ، الحكيم . وسادسها : أنّك تجد في الورقة الواحدة من أوراق الشّجرة خطا واحدا مستقيما في وسطها ، كأنّه بالنّسبة لتلك الورقة ، كالنّخاع بالنّسبة إلى بدن الإنسان ، فكأنه يتفرّق من النّخاع أعصاب كثيرة يمنة ويسرة في بدن الإنسان ، ثمّ لا يزال ينفصل عن شعبه شعب أخرى ، ولا تزال تستدقّ حتى تخرج عن الحسّ والإبصار لدقّتها ، فكذلك في تلك الورقة ينفصل عن ذلك الخطّ الكبير الوسطانيّ خيوط مختلفة ، وعن كلّ منهما خيوط أخرى أدقّ من الأولى ، ولا تزال كذلك حتّى تخرج تلك الخيوط عن الحسّ والبصر . والخالق - تعالى - إنّما فعل ذلك ، حتّى أن القوى الجارية المذكورة في جرم تلك الورقة ، تقوى على جذب الأجزاء اللّطيفة الأرضيّة في تلك المجاري الضيّقة ، فالوقوف على عناية حكمة الخالق في اتّحاد تلك الورقة الواحدة ، واختلاف أشكال الأوراق ؛ تؤذن أنّ عنايته في اتّحاد حكمة الشّجرة أكمل . وإذا عرفت أنّه - تبارك وتعالى - إنّما خلق النّبات لمصلحة الحيوان ، علمت أنّ عنايته في تخليق الحيوان أكمل ؛ ولمّا علمت أن المقصود من تخليق الحيوانات [ هو الإنسان ] « 1 » علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل . ثمّ إنه - تبارك وتعالى - لما خلق الحيوان والنّبات ليكون غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده ، والمقصود من تخليق الإنسان : هو المعرفة ، والمحبّة ، والخدمة ؛ لقوله - تبارك وتعالى - : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] . قوله : « يخرج » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنّها جملة مستأنفة ، فلا محلّ لها . والثاني : أنّها في موضع رفع خبرا ثانيا ؛ لأنّ قوله : « مخرج » يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه معطوف على « فالق » ، ولم يذكر الزّمخشريّ « 2 » غيره ، أي : اللّه فالق ومخرج ، أخبر فيه بهذين الخبرين ؛ وعلى هذا فيكون « يخرج » على وجهه ، وعلى كونه مستأنفا فيكون معترضا على جهة البيان لما قبله من معنى الجملة . والثاني : أنه يكون معطوفا على « يخرج » ، وهل يجعل الفعل في تأويل اسم [ ليصحّ عطف الاسم عليه ، أو يجعل الاسم بتأويل الفعل ؛ ليصحّ عطفه عليه ؟ احتمالان مبنيّان على ما تقدّم في « يخرج » . إن قلنا : إنه مستأنف فهو فعل غير مؤوّل باسم ؛ فيردّ الاسم إلى معنى الفعل ، فكأن « مخرج » في قوّة « يخرج » .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 47 .